لا يمكن الحديث عن تاريخ كرة القدم التونسية والإفريقية دون التوقف مطولاً عند اسم حفر حروفه من ذهب في ذاكرة المستطيل الأخضر؛ طارق ذياب. المايسترو، وإمبراطور خط الوسط، والرمز الأبدي للترجي الرياضي التونسي و”نسور قرطاج”. في حقبة السبعينيات والثمانينيات، التي اتسمت باللعب البدني والاندفاع القوي، برز طارق كفنان يعزف ألحاناً كروية بقدمه اليسرى الساحرة.
لم يكن طارق مجرد لاعب كرة قدم تقليدي، بل كان ظاهرة كروية جمعت بين الموهبة الفطرية النادرة، الذكاء التكتيكي الحاد، والشخصية القيادية التي جعلت منه المرجع الأول لمركز صناعة اللعب “الرقم 10” في المنطقة العربية والمغاربية. لقد جسّد بمفرده هوية كروية كاملة تعتمد على الجمالية والفاعلية في آن واحد، ليصبح أيقونة تتوارث الأجيال الحديث عن سحرها.
النشأة في الترجي: حبكة البدايات وولادة أسطورة “الدم والذهب”
ولد طارق ذياب في الخامس عشر من يوليو عام 1954 في العاصمة التونسية. كغالبية أساطير اللعبة، بدأت قصته مع الساحرة المستديرة في الأحياء الشعبية، حيث لفتت موهبته الفذة أنظار كشافي جمعية النادي الرياضي لحمام الأنف. لكن سرعان ما تدخل القدر وتغيرت بوصلته نحو “شيخ الأندية التونسية”، الترجي الرياضي التونسي، ليبدأ مسيرة أسطورية امتدت لأكثر من عقدين، صاغ خلالها تاريخاً مرصعاً بالألقاب.
في حديقة الرياضة “حسان بلخوجة”، صقل طارق موهبته وتدرج بسرعة مذهلة. لم يحتج الكثير من الوقت ليفرض نفسه كقطعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في تشكيلة الفريق الأول وهو لا يزال في ريعان شبابه. ارتبط اسمه بقميص الترجي ارتباطاً وثيقاً، حيث أصبح النجم الأول في مباريات “الديربي” أمام النادي الإفريقي، والمنقذ في المواعيد الكبرى.
رفض طارق ذياب طوال مسيرته العديد من العروض الاحترافية الأوروبية المغرية، مفضلاً البقاء وفياً لألوان فريقه، باستثناء تجربة احترافية ناجحة ومؤثرة مع نادي الأهلي السعودي (1978-1980)، حيث ترك بصمة لا تُمحى وقاد الفريق للتتويج بكأس جلالة الملك عام 1979، قبل أن يعود ليكمل كتابة التاريخ مع الترجي.
أبرز إنجازات طارق ذياب المحلية مع الترجي:
- البطولة التونسية (الرابطة المحترفة الأولى): تُوج باللقب 6 مرات (1975، 1976، 1982، 1985، 1988، 1989).
- كأس تونس: عانق الكأس المحلية في 4 مناسبات، مساهماً بشكل مباشر في حسم المباريات النهائية.
- الوفاء المطلق: قضى قرابة 20 عاماً يدافع عن ألوان الترجي، مما جعله “الرمز” التاريخي الأول لجماهير النادي.
عبقرية الرقم 10: تحليل تكتيكي لأسلوب لعب “المايسترو”
من الناحية التكتيكية، كان طارق ذياب يمثل النموذج المثالي لصانع الألعاب الكلاسيكي (Classic Playmaker). في زمن كانت فيه الرقابة اللصيقة (Man-to-Man Marking) هي السائدة، كان طارق يعتمد على “المسح البصري” (Pitch Scanning) المستمر، مما منحه رؤية بانورامية للملعب قل نظيرها. كان قادراً على قراءة تحركات زملائه وخصومه قبل أن تصله الكرة بثوانٍ، وهي ميزة لا يمتلكها سوى النخبة المطلقة في عالم كرة القدم.
هذه القراءة الاستباقية سمحت له بتكسير خطوط الدفاع المتكتلة بتمريرة واحدة حاسمة (Line-breaking Pass). سواء كانت تمريرة بينية أرضية قصيرة تخترق العمق، أو كرة طولية دقيقة بالمليمتر خلف المدافعين، كان طارق هو الممول الأول للمهاجمين وصاحب الحصة الأكبر من “الأسيست” في جيله.
لم تقتصر قوة طارق على التمرير فقط؛ بل تميز بالآتي:
- الاحتفاظ بالكرة (Ball Retention): كان يمتلك قدرة فائقة على حماية الكرة تحت الضغط العالي، بفضل تحكمه الدقيق بمركز ثقله ومهارته الفردية العالية في المساحات الضيقة.
- استغلال “المنطقة 14”: كان يتحرك بسلاسة مرعبة بين خطي وسط ودفاع الخصم (المنطقة 14)، مستلماً الكرة في أنصاف المساحات ليضرب الدفاعات بلمسة واحدة.
- التحكم بإيقاع اللعب (Tempo Dictation): كان بمثابة “ميزان حرارة” الفريق؛ يُسرّع الهجمة المرتدة متى لزم الأمر، أو يمتص حماس الخصم بالاستحواذ السلبي والتمرير العرضي لقتل نسق المباراة.
- اليسرى الفتاكة: شكلت قدمه اليسرى سلاحاً مميتاً في تنفيذ الركلات الحرة المباشرة، وتسديد الكرات الساقطة (Lob) والتسديدات بعيدة المدى التي غالباً ما غالطت أعتى حراس المرمى.
الكرة الذهبية الإفريقية 1977: كسر الهيمنة وكتابة التاريخ
يُعد عام 1977 نقطة التحول الأبرز في المسيرة الفردية لطارق ذياب، وهو العام الذي وضعه رسمياً على عرش كرة القدم في القارة السمراء، وأدخله نادي الأساطير من الباب الكبير. بفضل أدائه الخرافي مع المنتخب التونسي في تصفيات كأس العالم 1978، وتحديداً عروضه الساحرة أمام منتخبات قوية مثل مصر ونيجيريا وغينيا، لفت طارق أنظار قارة بأكملها.
في ذلك العام، توجته مجلة “فرانس فوتبول” (France Football) الفرنسية العريقة بجائزة الكرة الذهبية الإفريقية. تفوق طارق ذياب في التصويت برصيد 45 نقطة، متغلباً على أساطير كبار مثل الغيني “بابا كامارا” (33 نقطة) والنيجيري “سيغون أوديغبامي” (29 نقطة).
هذا التتويج لم يكن مجرد إنجاز شخصي، بل كان حدثاً مزلزلاً لكرة القدم التونسية والمغاربية. وحتى يومنا هذا، لا يزال طارق ذياب هو اللاعب التونسي الوحيد الذي نال شرف الفوز بهذه الجائزة المرموقة. لقد كسر هيمنة لاعبي غرب ووسط إفريقيا، وأثبت أن اللاعب المغاربي، بذكائه التكتيكي ومهارته، قادر على التربع على العرش الإفريقي، مما فتح الباب لاحقاً لبروز أسماء مغاربية أخرى على الساحة القارية.
مع نسور قرطاج: الثنائية الساحرة وملحمة الأرجنتين 1978
لا تكتمل أسطورة طارق ذياب دون الحديث عن بصمته الخالدة مع المنتخب الوطني التونسي (108 مباراة دولية). لعب طارق دوراً محورياً في تأهل “نسور قرطاج” إلى نهائيات كأس العالم 1978 بالأرجنتين. في المونديال، وتحت قيادة المدرب العبقري عبد المجيد الشتالي، شكل طارق مع الراحل حمادي العقربي ثنائياً أسطورياً (المايسترو والساحر)، أدارا معاً المنظومة التكتيكية للفريق ببراعة أمام منتخبات عملاقة مثل ألمانيا الغربية، بولندا، والمكسيك.
في المباراة الافتتاحية التاريخية ضد المكسيك، والتي انتهت بأول فوز عربي وإفريقي في تاريخ المونديال (3-1)، قدم طارق أداءً استثنائياً. لحظة صناعته للهدف الثاني لزميله نجيب غميض بلمسة بينية سحرية لا تزال تُدرّس حتى اليوم. إحصائياته وتأثيره في تلك البطولة جعلته محط إعجاب الصحافة العالمية والمحللين الذين أشادوا بتفوقه التكتيكي والفني على لاعبين ينشطون في أقوى الدوريات الأوروبية.
ولم يقتصر إبداعه الدولي على السبعينيات، بل عاد ليقود المنتخب التونسي كقائد مخضرم في الألعاب الأولمبية بسيول عام 1988 وهو في سن الرابعة والثلاثين، ليثبت أن الذهب لا يصدأ، وأن لياقته الذهنية تعوض أي تراجع بدني بحكم التقدم في العمر.
| إحصائيات ومحطات دولية ومحلية | التفاصيل والأرقام |
|---|---|
| المركز الأساسي | صانع ألعاب كلاسيكي (رقم 10) |
| مسيرته مع الأندية | الترجي التونسي (الجل الأعظم)، الأهلي السعودي (1978-1980) |
| المسيرة الدولية | 108 مباراة مع المنتخب التونسي (سجل خلالها 15 هدفاً حاسماً) |
| أبرز الجوائز الفردية | الكرة الذهبية الإفريقية (1977)، لاعب القرن في تونس (استفتاءات متعددة) |
| أبرز المشاركات العالمية | كأس العالم 1978، الألعاب الأولمبية سيول 1988 |
أيقونة لا تغيب: من سحر المستطيل الأخضر إلى هندسة التحليل التلفزيوني
بعد اعتزاله كرة القدم في أوائل التسعينيات، لم يبتعد طارق ذياب عن عشقه الأول، بل اختار مساراً جديداً يواصل من خلاله تثقيف الجماهير كروياً. تحول المايسترو من هندسة اللعب على المستطيل الأخضر إلى هندسة التحليل التكتيكي عبر الشاشات. انضم إلى شبكة قنوات “بي إن سبورتس” (الجزيرة الرياضية سابقاً)، ليصبح بسرعة البرق أحد أبرز وأعمق المحللين الرياضيين في العالم العربي.
ما يميز طارق ذياب كمحلل هو امتداد لشخصيته كلاعب:
- الصراحة والجرأة: لا يجامل في تحليله، ويضع إصبعه على الخلل التكتيكي أو الإداري لأي فريق مهما كان حجمه.
- العمق التكتيكي: يشرح أساليب اللعب الحديثة (مثل اللعب التموضعي لبيب غوارديولا) ويبسطها للمشاهد العربي برؤية خبير مارس اللعبة على أعلى المستويات.
- المرجعية الكروية: بات صوته ورأيه مرجعاً للمشاهد في فهم خبايا دوري أبطال أوروبا والبطولات الكبرى، وكثيراً ما تكون توقعاته وقراءاته للمباريات بالغة الدقة.
إلى جانب مسيرته الإعلامية، اقتحم طارق ذياب العمل الإداري والسياسي من بوابة الرياضة، حيث تقلد منصب وزير الشباب والرياضة في تونس (2012-2014). حاول خلال فترته توظيف خبرته العميقة في إصلاح البنية التحتية والشأن الرياضي المحلي. ورغم التحديات الكبيرة والصعوبات السياسية، أثبت طارق أنه شخصية قيادية لا تتهرب من المسؤولية، تسعى دوماً لتطوير الرياضة التونسية من مواقع القرار.
طارق ذياب ليس مجرد اسم يُذكر في أرشيف كرة القدم أو لاعب مهاري مرّ على تاريخ الترجي والمنتخب؛ إنه حالة فنية نادرة، ومدرسة كروية قائمة بذاتها أعطت للرقم 10 قدسيته في الملاعب التونسية. عبر رؤيته الشاملة، لمساته الساحرة، وعطائه الممتد لعقود، رسم أجمل اللوحات الكروية التي لا تزال الأجيال تتداولها بفخر. من أزقة العاصمة تونس إلى ملاعب الأرجنتين، ومن التتويج بالذهب الإفريقي إلى تصدر شاشات التحليل العربي، سيظل “إمبراطور” الكرة التونسية الرقم الصعب، والأسطورة الخالدة التي يستحيل تكرارها في سماء كرة القدم العربية والإفريقية.
مقالات ذات صلة
ملحمة الأرجنتين 1978: كيف غيّر انتصار تونس الأول خريطة كأس العالم وأنصف إفريقيا؟
أنس الحاج محمد على رادار الترجي : تفاصيل اهتمام المكشخة بموهبة بيرشكوت البلجيكي
تقارير صحفية: حارس مرمى شبيبة العمران يقترب من التوقيع للترجي الرياضي
ملخص الميركاتو الصيفي للترجي الرياضي التونسي لموسم 2022-2023
بطولة مرتبطة
نادي مرتبط
أحدث الأخبار
الدليل الشامل لمشاهدة كأس العالم 2026: القنوات المفتوحة، حقوق البث والترددات الفضائية
زفيريف يكسر العقدة ويتوج بلقبه الأول في البطولات الكبرى في رولان غاروس
جدول مباريات المنتخبات العربية في كأس العالم 2026 بتوقيت تونس والسعودية
أعظم 5 حراس مرمى في تاريخ شمال إفريقيا
