تخطي إلى المحتوى الرئيسي
عاجل
بحث سريع:

جاري البحث...

لا توجد نتائج تطابق بحثك

جرب كلمات مفتاحية أخرى مثل "الترجي" أو "الرابطة الأولى"

جميع الأخبار

الهدافون التاريخيون للدوري التونسي: أساطير هزت الشباك وخلدها التاريخ

7 يونيو 2026
03:59
جميع الأخبار
شارك المقال:

تُعتبر بطولة الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم في تونس، التي انطلقت منافساتها الرسمية تزامناً مع فجر الاستقلال وقبله تحت مسميات وتنظيمات مختلفة، واحدة من أعرق، أشرس، وأقوى البطولات المحلية في القارة الإفريقية والعالم العربي على حد سواء. على مر العقود الطويلة، كانت الملاعب التونسية، من ملعب الشاذلي زويتن التاريخي إلى الملعب الأولمبي بالمنزه وصولاً إلى ملعب حمادي العقربي برادس، مسرحاً كروياً مفتوحاً تتنافس فيه أندية عريقة بأساليب تكتيكية متنوعة. هذا التنوع التنافسي الشرس أنتج إرثاً كروياً غنياً تتوارثه الأجيال، وأفرز نجوماً صنعوا ربيع الأندية التونسية. ورغم التطور التكتيكي المستمر في خطط اللعب الحديثة والتركيز المتزايد على الصلابة الدفاعية المعقدة، يظل “الهدف” هو العملة الأغلى، واللحظة الأكثر سحراً، والجوهر الحقيقي لمتعة كرة القدم، ويبقى مسجلو الأهداف هم الأبطال الخالدون في الذاكرة الجماعية للجماهير الرياضية العريضة.

في هذا السياق التاريخي المليء بالشغف والاندفاع، يبرز صراع الأرقام القياسية كشاهد عيان على عظمة لاعبين استثنائيين كسروا كل القواعد وتلاعبوا بالدفاعات ليتربعوا على عرش الهدافين بلا منازع. عندما نتحدث عن الهدافين التاريخيين للدوري التونسي، فإننا قطعاً لا نستعرض مجرد أرقام صماء أو إحصائيات جافة، بل نروي حكايات أساطير حفروا أسماءهم بأحرف من ذهب، وبصموا على حقبات ذهبية لأنديتهم، مجسدين روح الانتماء والتفاني. بناءً على الأرقام والإحصائيات الرسمية الموثقة عبر تاريخ المسابقة، سنسلط الضوء في هذا المقال التحليلي الشامل على قائمة الخمسة الكبار؛ أولئك الهدافين المرعبين الذين يتربعون بكبرياء على قمة الهرم التهديفي في تاريخ كرة القدم التونسية، تاركين خلفهم إرثاً يصعب تكراره.

1. عز الدين شقرون: الهداف التاريخي وأيقونة “الرالوي”

يُعتبر النجم الفذ عز الدين شقرون ظاهرة كروية فريدة من نوعها في تاريخ كرة القدم التونسية، حيث يتربع منفرداً وبفارق مريح على عرش الهدافين التاريخيين لبطولة الدوري برصيد 116 هدفاً كاملاً. ارتبط اسم هذا القناص المرعب ارتباطاً وثيقاً وعاطفياً بنادي “سكك الحديد الصفاقسي” (الرالوي)، حيث قضى جل مسيرته الكروية المظفرة بين أواخر الستينيات وعقدي السبعينيات والثمانينيات (تحديداً بين عامي 1967 و1978، ثم عودة أخيرة في موسم 1980-1981). لم يكن شقرون مجرد مهاجم تقليدي ينتظر الكرات، بل كان الماكينة التهديفية الجبارة التي قادت فريقه في تلك الحقبة التاريخية لمقارعة كبار الأندية التونسية والتفوق عليها. وقد تُوج هذا المهاجم الاستثنائي بلقب هداف الدوري التونسي في موسم 1972-1973 برصيد مذهل بلغ 23 هدفاً، وهو رقم قياسي يندر جداً تحقيقه أو حتى الاقتراب منه في المواسم الحديثة التي تتسم بالشح التهديفي.

الترتيباللاعبالناديمجموع الأهدافمسيرة اللاعب (الفترة الزمنية)
1عز الدين شقرونسكك الحديد الصفاقسي1161967 – 1981
2الهادي البياريالنادي الإفريقي1101972 – 1990
3طارق ذيابالترجي الرياضي التونسي1071972 – 1990
4حبيب موقوالنجم الرياضي الساحلي991949 – 1965
5محمد صالح الجديديالنادي الإفريقي981958 – 1969

من الناحية التكتيكية والفنية، تميز الأسطورة عز الدين شقرون بأسلوب لعب هجومي يعتمد بشكل أساسي على المكر الكروي، التحركات الخادعة، والقدرة الفائقة على التمركز الذكي (Positioning) داخل مناطق الجزاء المكتظة. كان يُعرف بذكائه الحاد في التواري عن أنظار المدافعين، والهروب من الرقابة اللصيقة التي كانت سائدة في تلك الحقبة (Man-to-Man Marking)، ليظهر فجأة وكأنه شبح في الوقت والمكان المناسبين لإيداع الكرة في الشباك بكل هدوء. هذه الغريزة التهديفية الفطرية الخالصة، مقرونة بلمسة أخيرة حاسمة وبرود أعصاب جليدي أمام المرمى، جعلت منه كابوساً حقيقياً ومستمراً لحراس المرمى طوال مسيرته. لقد بات شقرون رمزا أبديا يفتخر به عشاق فريق عاصمة الجنوب، مؤكداً للأجيال اللاحقة أن الموهبة الصافية والذكاء الميداني قادران على تحطيم أعقد الأرقام القياسية والبقاء في القمة الكروية لعقود طويلة وممتدة.

2. الهادي البياري: الماكينة التهديفية الخالدة في النادي الإفريقي

يحتل القناص المرعب الهادي البياري المركز الثاني في الترتيب العام التاريخي للهدافين برصيد 110 أهداف، وهو بلا أدنى شك المهاجم الأعظم في تاريخ النادي الإفريقي على مستوى الأرقام والإحصائيات التهديفية. بدأت مسيرته الذهبية مع نادي “باب الجديد” في موسم 1972-1973، واستمرت بوهج لا يخبو حتى أواخر الثمانينيات، ليصبح خلال هذه الفترة الطويلة الركيزة الأساسية والنجم الأول للخط الأمامي للفريق. ما يجعل إنجاز البياري أسطورياً ومحفوراً في سجلات الأرقام القياسية هو كونه اللاعب التونسي الوحيد في التاريخ الذي تُوج بلقب هداف بطولة الدوري في ثلاث مناسبات مختلفة (مواسم 1979-1980، 1982-1983، و1983-1984). هذا الرقم الثلاثي يعكس بوضوح استمراريته المذهلة وقدرته الفائقة على الحفاظ على مستواه التهديفي العالي موسماً تلو الآخر، متجاوزاً كل الإصابات وتكتيكات المدربين والرقابة الدفاعية اللصيقة والمزدوجة التي كانت تُفرض عليه.

تميز الهادي البياري بأسلوب لعب شامل ومتكامل يجمع بسلاسة بين القوة البدنية الهائلة، المهارة الفنية الرفيعة، والسرعة الخاطفة في اتخاذ القرار الحاسم داخل صندوق العمليات. كان يجيد التسجيل بكلتا قدميه ببراعة تامة، ويمتلك ارتقاءً خرافياً يجعله يتفوق في الكرات الرأسية، فضلاً عن مرونة تكتيكية سمحت له بالتأقلم مع مختلف الخطط والأجيال التي عاصرها في النادي الإفريقي. بفضل أهدافه الحاسمة التي كانت بمثابة طوق النجاة في المواجهات الكبرى ومباريات الديربي، ساهم البياري بشكل مباشر ومحوري في تتويج فريقه بالعديد من الألقاب المحلية الثمينة، أهمها معانقة درع بطولة الدوري في عدة مناسبات تاريخية. لقد حُفر اسم الهادي البياري في الذاكرة الجماعية لجماهير النادي الإفريقي كأحد أبرز صناع الأفراح التاريخيين، وبقي أيقونة لا تُمس للوفاء الكروي والتألق المستمر في الملاعب التونسية.

3. طارق ذياب: إمبراطور الوسط والهداف الاستثنائي للترجي

إن حضور طارق ذياب في المركز الثالث ضمن هذه القائمة التاريخية برصيد 107 أهداف يُمثل ظاهرة كروية وتكتيكية استثنائية بكل المقاييس، فهو اللاعب الوحيد ضمن هذا الخماسي المرعب الذي لم يكن مهاجماً صريحاً، بل كان صانع ألعاب كلاسيكي بامتياز وصاحب القميص “رقم 10”. طيلة مسيرته الأسطورية والمظفرة مع نادي الترجي الرياضي التونسي، والتي امتدت لأكثر من عقدين من الزمن، أثبت طارق ذياب أن مهام صانع الألعاب العبقري لا تقتصر فقط على توزيع التمريرات السحرية (Assists) وهندسة الهجمات من الخلف، بل تتعداها إلى اقتحام مناطق الخصم وحسم المباريات بنفسه متى لزم الأمر. هذا الأداء التهديفي المذهل والمنقطع النظير للاعب وسط ميدان، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك قيمته الفنية كأحد أعظم اللاعبين في تاريخ الكرة التونسية والإفريقية، وهو الذي تُوج عن جدارة واستحقاق بجائزة الكرة الذهبية الإفريقية عام 1977، في إنجاز فردي تونسي فريد لم يتكرر حتى اليوم.

- إعلان -

تكتيكياً، كان أسلوب لعب “المايسترو” يعتمد على الذكاء المطلق، الرؤية البانورامية للملعب، والقراءة الاستباقية المسبقة لمجريات اللعب، بالإضافة إلى امتلاكه لقدم يسرى ساحرة ودقيقة للغاية أشبه بفرشاة رسام. كان ذياب خبيراً عالمياً في تنفيذ الركلات الحرة المباشرة التي أسكنها شباك كبار الحراس، والتسديد المتقن من خارج منطقة الجزاء، فضلاً عن توغلاته المباغتة والسريعة من العمق واستغلال “المنطقة 14” (أنصاف المساحات) لاختراق الدفاعات والتسجيل. لقد غير طارق ذياب جذرياً المفهوم التقليدي والمحدود لصانع الألعاب في تونس، وأثبت قدرة لاعب الوسط الهجومي الحديث على مقارعة أعتى المهاجمين الكلاسيكيين في سباق الهدافين المحليين. بفضل هذه الأهداف المئة وسبعة، إلى جانب مئات التمريرات الحاسمة، سيبقى طارق ذياب الإمبراطور المتوج والرمز الذي لا يُمحى في تاريخ “شيخ الأندية التونسية” وكرة القدم العربية والإفريقية.

4. حبيب موقو: “الرأس الذهبي” والنجم الساطع في سماء الساحل

يعود بنا المركز الرابع في هذه القائمة التاريخية إلى حقبة كروية رومانسية ومبكرة، حيث يبرز بكل قوة اسم الأسطورة الراحل حبيب موقو، المهاجم الفذ والمرعب للنجم الرياضي الساحلي، الذي تمكن من إيداع 99 هدفاً في شباك منافسيه في مسابقة الدوري المُمتاز. عُرف موقو في الأوساط الرياضية بلقب “الرأس الذهبي” (Tête d’or)، وهو لقب مستحق لم يأتِ من فراغ أو صدفة، بل كان انعكاساً دقيقاً لقدرته الخرافية على الارتقاء العالي في الهواء، وضرب الكرات الرأسية بقوة ودقة لا تضاهى، مما جعله هدافاً مرعباً يهابه الجميع في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وقد ترجم موقو هذه السيطرة الجوية والميدانية بالتتويج بلقب هداف الدوري في مناسبتين تاريخيتين (موسم 1955-1956 برصيد 25 هدفاً وموسم 1957-1958 برصيد 28 هدفاً)، ليكون القوة الهجومية الضاربة التي قادت فريق جوهرة الساحل لفرض سيطرته في بدايات تأسيس البطولة الوطنية.

تكتيكياً، كان حبيب موقو يمثل النموذج الأمثل للمهاجم الكلاسيكي الشجاع (Target Man) الذي لا يهاب الالتحامات البدنية القوية داخل منطقة العمليات المليئة بالمدافعين الأشداء. إلى جانب براعته المنقطعة النظير في الألعاب الهوائية وتوجيه الكرات العرضية نحو المرمى، كان يمتلك حساً تهديفياً مرهفاً وتمركزاً بدنياً وتكتيكياً مثالياً يسمح له بإنهاء الهجمات بلمسة واحدة قاتلة. لقد ساهمت أهداف حبيب موقو الغزيرة في وضع اللبنات الأولى لبناء أمجاد النجم الساحلي وحصد الألقاب، وظل طوال عقود طويلة مضرباً للمثل في الولاء المطلق لقميص النادي والقدرة المستمرة على الحسم في الأوقات الصعبة. سيبقى “الرأس الذهبي” أيقونة خالدة تتغنى بها أجيال جماهير سوسة حتى يومنا هذا، وشاهداً حياً على عصر ذهبي كانت فيه كرة القدم تُمارس بشغف نقي وروح قتالية عالية جداً.

5. محمد صالح الجديدي: القناص التاريخي لقلعة “باب الجديد”

يختتم قائمة الخمسة الكبار في تاريخ الدوري التونسي أسطورة هجومية أخرى من قلعة النادي الإفريقي، وهو اللاعب الراحل محمد صالح الجديدي، الذي نجح في إيداع 98 هدفاً حاسماً في شباك الخصوم خلال مسيرته الكروية الحافلة والممتدة من أواخر الخمسينيات حتى نهاية عقد الستينيات (تحديداً حتى عام 1969). يعتبر الجديدي واحداً من أبرز اللاعبين الذين ساهموا في تشكيل الهوية الهجومية والشخصية الانتصارية للنادي الإفريقي في سنوات ما بعد الاستقلال. لم تكن أهدافه الغزيرة مجرد أرقام تُضاف إلى الرصيد، بل كانت أهدافاً مفصلية وحاسمة في مباريات الديربي الحارقة ومواجهات حسم البطولات، وقد حاز بجدارة على لقب هداف الدوري في مناسبتين (موسم 1964-1965 وموسم 1968-1969)، مؤكداً علو كعبه وقدرته التنافسية المذهلة في حقبة اتسمت بتواجد دفاعات صلبة وتدخلات بدنية قوية.

كان الجديدي يجمع في أسلوب لعبه الفريد بين القوة البدنية المفرطة والتقنيات الفنية العالية، مما جعله “البارودير” (Baroudeur) المثالي والمهاجم الكاسح القادر على اختراق أقوى التحصينات الدفاعية بالسرعة والقوة. كان يتمتع بقدرة فائقة على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط الشديد، واللعب بظهره للمرمى كجدار متين يسند زملاءه القادمين من الخلف، قبل أن يقوم بالالتفاف المباغت والتسديد بقوة مركزة نحو الشباك. هذا المزيج النادر من الصفات البدنية، التكتيكية والفنية جعل منه ليس فقط هدافاً تاريخياً للإفريقي، بل المهاجم الأول للمنتخب الوطني التونسي في فترته. لقد ترك محمد صالح الجديدي خلفه إرثاً تهديفياً ضخماً، ومدرسة كروية يُدرّس منهجها للمهاجمين الصاعدين في كيفية الدمج بين الأناقة الفنية والشراسة التهديفية داخل المستطيل الأخضر.

إن الإرث الرياضي العظيم الذي تركه هؤلاء الأساطير الخمسة (شقرون، البياري، ذياب، موقو، والجديدي) يتجاوز بكثير مجرد إحصائيات وأرقام مدونة في الأرشيف الرسمي لسجلات الاتحاد التونسي لكرة القدم. فهم يمثلون، كل في زمانه، حقبات ذهبية ناصعة وأساليب لعب تكتيكية متنوعة أثرت المشهد الرياضي في تونس ورفعت من مستوى التنافسية. من غريزة عز الدين شقرون التهديفية الفطرية، إلى شمولية وقوة الهادي البياري، وعبقرية طارق ذياب النادرة في خط الوسط، وصولاً إلى ارتقاءات حبيب موقو الرأسية الساحقة وقوة محمد صالح الجديدي الضاربة؛ كل لاعب من هؤلاء رسم بريشته لوحة فنية خالصة، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن صناعة الفرحة وإحراز الأهداف في كرة القدم هو فن نبيل يتطلب موهبة استثنائية، عملاً دؤوباً، وانتماءً عقائدياً عميقاً للقميص الذي يدافعون عنه.

اليوم، وعندما ننظر إلى المشهد الكروي الحالي المتميز بالتطور التكتيكي المعقد لكرة القدم الحديثة، والتوجه المتزايد للأندية نحو الأنظمة الدفاعية الصارمة (Low Block Tactics) واللعب المتموضع، بالإضافة إلى وتيرة احتراف المواهب التونسية الهجومية الشابة في سن مبكرة جداً نحو الدوريات الأوروبية والعربية؛ يبدو من الصعب جداً، إن لم يكن من المستحيل عملياً، أن نرى من يحطم هذه الأرقام القياسية التاريخية. هذا الواقع الكروي الحديث يجعلنا ندرك أكثر من أي وقت مضى القيمة الحقيقية والاستثنائية لما أنجزه هؤلاء العظماء. فهم لم يكونوا مجرد لاعبين مروا عابرين على العشب الأخضر، بل هم “الهدافون الخالدون” وأعمدة المعبد الكروي التونسي، الذين سيظلون المعيار الأول والأساسي الذي تُقاس به عظمة أي مهاجم يطمح، مجرد طموح، لترك بصمته في التاريخ العريق لبطولة الدوري التونسي.

- إعلان -