تخطي إلى المحتوى الرئيسي
عاجل
بحث سريع:

جاري البحث...

لا توجد نتائج تطابق بحثك

جرب كلمات مفتاحية أخرى مثل "الترجي" أو "الرابطة الأولى"

الكرة التونسية

ملحمة الأرجنتين 1978: كيف غيّر انتصار تونس الأول خريطة كأس العالم وأنصف إفريقيا؟

7 يونيو 2026
02:11
الكرة التونسية
شارك المقال:

في تاريخ كرة القدم العالمية، توجد مباريات تُلعب من أجل حصد النقاط، ومباريات أخرى تُلعب لكتابة التاريخ وتغيير القوانين. عندما حطّت بعثة المنتخب التونسي الرحال في الأرجنتين للمشاركة في نهائيات كأس العالم 1978، كانت التوقعات العالمية لا تتجاوز حدود المشاركة الشرفية المعتادة لمنتخبات القارة الإفريقية. لكن “نسور قرطاج”، بقيادة المدرب المحنك عبد المجيد الشتالي، دخلوا البطولة بعقلية انتصارية غير مسبوقة، حاملين على عاتقهم آمال تونس وطموحات قارة بأكملها عانت طويلاً من التهميش الرياضي.

مجموعة “الموت” والتحدي الأكبر لنسور قرطاج

لم تكن القرعة رحيمة بالمنتخب التونسي في أول مشاركة مونديالية له، حيث وضعته في المجموعة الثانية التي أُطلق عليها آنذاك لقب “المجموعة الانتحارية”. ضمت هذه المجموعة عمالقة اللعبة: منتخب ألمانيا الغربية بطل العالم للنسخة السابقة والذي يضم ترسانة من النجوم بقيادة الحارس الأسطوري سيب ماير والمهاجم كارل هاينز رومينيغه، بالإضافة إلى منتخب بولندا صاحب المركز الثالث في مونديال 1974 والمدجج بجيله الذهبي، والمنتخب المكسيكي المتمرس وزعيم منطقة “الكونكاكاف” المعتاد على الأجواء المونديالية.

أمام هذا التحدي المرعب، اختار المدرب عبد المجيد الشتالي التخلي عن عقدة النقص واللجوء إلى التحضير النفسي والتكتيكي العالي. ركز الإطار الفني على خلق منظومة دفاعية صلبة تقودها شخصيات قيادية فوق الميدان، مع الاعتماد على التحولات الهجومية السريعة والمهارات الفردية الاستثنائية لخط الوسط. كانت الخطة واضحة: تونس لم تسافر إلى الأرجنتين لتلقي الدروس، بل لتقديم درس قاسي لكبار كرة القدم العالمية وإثبات أن الكرة الإفريقية قادرة على النديّة والمنافسة الشرسة.

ريمونتادا المكسيك وتدوين أول انتصار عربي وإفريقي

في الثاني من يونيو 1978، بملعب “جيغانتي دي أروييتو” في مدينة روساريو، التقت تونس مع المكسيك في مباراة شكلت منعرجاً تاريخياً. بدأ اللقاء بصدمة مبكرة بعد أن احتسب الحكم الاسكتلندي جون غوردون ركلة جزاء للمكسيك، نجح أرتورو فازكيز في ترجمتها إلى هدف في نهاية الشوط الأول. داخل حجرات الملابس، استخدم الشتالي ورقة التحفيز العاطفي، ملوحاً بالعلم التونسي ومستفزاً غيرة لاعبيه، ليعود الفريق في الشوط الثاني بوجه مغاير تماماً، فارضاً سيطرة مطلقة على مجريات اللعب.

عند الدقيقة الخامسة والخمسين، انطلق المدافع علي الكعبي ليتابع كرة داخل منطقة الجزاء ويسكنها الشباك، مسجلاً أول هدف تونسي في تاريخ المونديال. ولم يتوقف الطوفان الهجومي التونسي عند ذلك الحد، ففي الدقيقة التاسعة والسبعين، ضاعف نجيب غميض النتيجة بعد تمريرة سحرية من طارق ذياب. وقبل نهاية اللقاء بثلاث دقائق، أطلق المدافع مختار ذويب رصاصة الرحمة بالهدف الثالث إثر توغل مهاري رائع. انطلقت صافرة النهاية معلنة فوز تونس (3-1)، وهو أول انتصار يحققه منتخب إفريقي وعربي في تاريخ نهائيات كأس العالم.

صمود تاريخي أمام أبطال العالم والمفاجأة المدوية

بعد ملحمة المكسيك، اصطدمت تونس بالمنتخب البولندي القوي في الجولة الثانية. ورغم تقديم مباراة تكتيكية من أعلى طراز دفاعاً وهجوماً، انتهى اللقاء بهزيمة قاسية وصعبة بنتيجة (1-0) بعد خطأ فردي استغله المهاجم البولندي غجيغوج لاتو. إلا أن الأداء البطولي والصلابة التي أظهرها زملاء طارق ذياب نالت إعجاب النقاد والمتابعين، مما مهد الطريق لمواجهة ختامية نارية في دور المجموعات أمام منتخب ألمانيا الغربية بطل العالم، في لقاء كان يحمل حسابات التأهل للدور الموالي.

- إعلان -

في العاشر من يونيو 1978، وعلى أرضية ملعب “شاتو كاريراس” في كوردوبا، قدمت تونس واحدة من أعظم مبارياتها الدفاعية والتكتيكية في التاريخ. فرض “النسور” تعادلاً سلبياً (0-0) على الماكينات الألمانية، بل وكاد الجناح السريع تميم الحزامي أن يخطف هدف الفوز لولا براعة الحارس سيب ماير والعارضة التي أنقذت الألمان من إقصاء مبكر. أنهت تونس مشاركتها برصيد ثلاث نقاط (بنظام النقطتين للفوز آنذاك)، وغادرت المونديال مرفوعة الرأس، تاركة خلفها احتراماً عالمياً لم يسبق لمنتخب إفريقي أن حظي به.

الجيل الذهبي: صناع الملحمة بلغة الأرقام والتكتيك

لم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء ثمرة توفر جيل من اللاعبين الموهوبين تكتيكياً وفنياً. كان خط الوسط التونسي بمثابة القلب النابض للفريق، حيث قاد طارق ذياب، الحائز على الكرة الذهبية الإفريقية عام 1977، صناعة اللعب برؤية ثاقبة، يسانده “ساحر الأجيال” حمادي العقربي بمهاراته الفردية التي أتعبت دفاعات الخصوم، وتكفل نجيب غميض بالتغطية الدفاعية الصارمة ليخلق توازناً مثالياً في قلب الميدان.

وعلى مستوى الخط الخلفي، برز الانضباط التكتيكي الشديد وتوزيع الأدوار الدقيق الذي وضعه الشتالي. ورغم الغياب المؤلم للحارس الأسطوري الصادق ساسي “عتوقة” في آخر اللحظات، إلا أن الحارس الشاب مختار النايلي كان سداً منيعاً وقدم بطولة استثنائية أسكتت كل المشككين، ليصنع مع بقية الزملاء لوحة شرف تكتيكية تتحدث عنها لغة الأرقام بوضوح تام.

اللاعبالمركز في البطولةالنادي (آنذاك)الأهداف في المونديالأبرز الإسهامات الفنية 1978
طارق ذيابصانع ألعابالترجي الرياضي0مهندس خط الوسط وصاحب التمريرة الحاسمة للهدف الثاني ضد المكسيك.
علي الكعبيمدافعالنقل الرياضي1مسجل الهدف التونسي الأول التاريخي الذي أعاد الفريق للمباراة.
نجيب غميضوسط ميدان دفاعيالنادي الإفريقي1صاحب الهدف الثاني والتغطية الدفاعية المطلقة وراء خط الهجوم.
مختار ذويبظهير أيمنالنادي الصفاقسي1صاحب الهدف الثالث القاتل بمهارة فردية نادرة لمدافع.
مختار النايليحارس مرمىالنادي الإفريقي0تصديات حاسمة وخاصة في مباراة ألمانيا الغربية وحفاظه على شباكه نظيفة.
تميم الحزاميجناح أيمنالترجي الرياضي0قائد المنتخب وأكثر اللاعبين إزعاجاً لدفاع ألمانيا الغربية وبولندا.

كيف أجبرت تونس الفيفا على إنصاف القارة السمراء

كانت الأبعاد الحقيقية لملحمة 1978 تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. فمنذ انطلاق كأس العالم عام 1934، كانت القارة الإفريقية تُعامل إدارياً من قبل الاتحاد الدولي (فيفا) كـ “تكملة عدد”، حيث خُصص لها مقعد واحد فقط للتأهل، رغم اتساع رقعتها الجغرافية وتزايد عدد دولها المستقلة الممارسة لكرة القدم. كان الفيفا يتذرع دائماً بضعف المستوى التنافسي للمنتخبات الإفريقية مقارنة بأوروبا وأمريكا الجنوبية لرفض أي مقترحات بالزيادة.

جاء الأداء التونسي الباهر والانتصار المدوي على المكسيك ليكون “القشة التي قصمت ظهر النظام القديم”. فقد أثبتت تونس، بفضل صلابتها التكتيكية ونتائجها الإيجابية (فوز وتعادل مشرف أمام بطل العالم)، أن الكرة الإفريقية تطورت وباتت قادرة على إحراج أبطال اللعبة. وأمام هذا الواقع الميداني الذي لا يُدحض، رضخ الفيفا للضغوط، وأصدر قراراً تاريخياً بزيادة عدد المقاعد المخصصة لإفريقيا في كأس العالم من مقعد واحد إلى مقعدين بداية من النسخة الموالية في إسبانيا عام 1982، ليكون إنجاز نسور قرطاج هو نقطة الانطلاق الحقيقية نحو التواجد الإفريقي الفعّال الذي نراه اليوم.

ستظل ملحمة الأرجنتين 1978 محفورة بأحرف من ذهب في الذاكرة الجماعية التونسية والعربية والإفريقية. لم تكن مجرد 90 دقيقة من الركض وراء الكرة، بل كانت صرخة قارة بأكملها تطالب بحقها في التواجد على الخارطة الرياضية العالمية. الجيل الذهبي الذي قاده الشتالي لم يحقق فقط أول فوز مونديالي، بل مهد طريق الكرامة الكروية للأجيال اللاحقة، مؤكداً أن كرة القدم التونسية قادرة، بالانضباط التكتيكي والروح القتالية، على قهر المستحيل ومقارعة الكبار مهما اتسعت الفوارق.

- إعلان -
- إعلان -
استطلاع رأي
استطلاع رأي: الفريق الأكثر شعبية في تونس
استطلاع رأي لتحديد الفريق الأكثر شعبية في تونس. اختر فريقك المفضل من بين الخيارات التالية:
- إعلان -